لندن - المملكة المتحدة 10/12/2018

المشاركة السياسية في اتخاذ القرار: الجزء الثالث

خ خ خ

الجزء الأول

الجزء الثاني

المرحلة الثالثة: الفشل[1]

لن يتفاجأ أحد من أن النظام في عُمان لايسمح لأعضاء مجلس الشورى باستجواب الوزراء المسؤولون عن الوزارات والمؤسسات “السيادية” وهي: وزارة المالية؛ وزارة النفط والغاز؛ وزارة المكتب السلطاني وجهاز الأمن الداخلي؛ وزارة ديوان البلاط السلطاني؛ البنك المركزي؛ وزارة الخارجية؛ وزارة الدفاع.

كانت المحاولة الأولى للمجلس استجواب وزير النفط والغاز، قد باءت بالفشل. إذ جاء الرد من رئاسة مجلس الوزراء : ” أن وزارة النفط والغاز مدرجة ضمن الوزارات السيادية التي لا تخضع لرقابة مجلس الشورى” [2].

ولقد اكتفى اللقاء مابين الوزير وأعضاء مجلس الشورى على “بيان يلقيه معالي الوزير أمام المجلس في جلسة مغلقة عقدت خلال دور الانعقاد السنوي الثاني وذلك حول مشروعات النفط والغاز الحالية والمستقبلية” [3].

في حوار مفتوح مع عضو مجلس الشورى عن ولاية مطرح[4] أجراه المشرفون على موقع منتدى الحارة العُمانية ، يقدم لنا مصطفى اللواتيا حقائق عن مدى الإنغلاق الذي يعانيه المجلس في ممارسة أعماله، سأقوم هنا بعرض بعض الإجابات التي تدلل على هذا الواقع:

–       جلسات اللجان سرية بحسب اللوائح، ولكن من المفترض أن يقوم المجلس باطلاع المواطن على ادائه عبر اللجان، ومن أهمها اللجنة الاقتصادية والمالية. أما فيما يتعلق بالتواصل معكم فيسرني ذلك إن واصلت العمل باللجنة الاقتصادية.

–       القانون لا يلزم السلطة التنفيذية بأخذ توصيات مجلس الشورى.

–       المجلس ليس سلطة قضائية، وكذلك ليس بديلا عن جهاز الرقابة المالية والادارية. ولا يملك المجلس أي وسائل لكشف هكذا حالات الا ما يصل الى المجلس صدفة، أو عبر بعض الاعضاء. المطلوب اطلاع المجلس اولا بأول بتقارير الرقابة المالية في هذا الشأن.

  من ضمن عوامل الخلل الرئيسية التي يقوم عليها مجلس الشورى هو أنه قائم على انتخاب مجموعة من المرشحين الذين لا يمثلون إلا “أنفسهم وأفكارهم “، بمعنى أنهم لا يرتبطون مع منتخبيهم بأية علاقات تواصل مؤسسية ، ولهذا السبب نجد هؤلاء تائهين (المرشحين) في كيفية إيجاد الطرق والوسائل التي تمكنهم من التواصل مع منتخبيهم المفترضين. وهذا الجو المشحون بالضياع والتشتت يشبه كثيراً مانراه في المسابقات التي تجريها بعض المحطات الفضائية، حيث على المتسابقين أن يقطعوا مسافات بين عدة دول وبوسائل مواصلات متعددة في أجواء يسودها الإرتباك والحيرة.

وضمن هذا الواقع، فإن التواصل مع المرشح يكون على هاتفه أو بريده الإلكتروني،  وهو بالتالي يماثل وضعية أي إعلان تجاري يعرض خدمات أفراح أو مواد تموينية …إلخ.

هذا الواقع الهزلي، ينتج عنه سلوكيات من قبل الأعضاء لاتخلو من ” تجاوزات”، فضوابط الدعاية الإنتخابية في عُمان تماثل الدعاية التجارية إن لم تتطابق معها، حيث يغدو المرشح منتجا تجاريا على لوحة إعلانية، أو مطوية يجري التدقيق في عباراتها من قبل لجنة الإنتخابات، وهذا ما لا يسري على المطويات التجارية من جهة الإختصاص.

ومن حق المرشح  أن يجتمع مع منتخبيه “الذين يحلم بهم”  علما أن المدة المسموح له في تجميعهم عن طريق الدعاية لم تتجاوز في  انتخابات مجلس الشورى للفترة السابعة لعام 2012،  سبعة وثمانون يوماً فقط من 19 تموز/ يوليو حتى 13 تشرين الأول / أكتوبر، والتي لن تتجاوز هذه المدة في أغلب الأحوال طبقا للتحديد الآتي: ” يجب التقيد بالفترة المسموح بها للقيام بالدعاية الانتخابية، وهي تبدأ من تاريخ إعلان القوائم النهائية للمرشحين وتستمر لليوم السابق مباشرة لليوم المحدد لإجراء الانتخابات الذي يحظر فيه القيام بأي نوع من أنواع الدعاية الانتخابية.” [5].

وهذه المدة تشكل فترة سباق غير عقلانية بالنسبة إلى لدولة يُحظر فيها إنشاء الأحزاب أو أية مؤسسات مماثلة ، فيغدو المترشح في حلبة سباق من غير جماهير، إذ يتحتم عليه مهمة  إيجادهم .

من هنا فإن المرشحين سينجحون وفقاً لثلاث معايير فقط:

1-   وجود “علاقات عامة سابقة ” ومتشعبة للمرشح مع أفراد المجتمع، وغالبا ماتكون هذه الشريحة من المرشحين من الشباب أصحاب الشهادات العلمية العليا، أو من المثقفين، وهم قلة، ضمن  عدد أعضاء المجلس.

2-   المرشح ضمن الطبقة التجارية، ولديه جمهور من الذين يستفيدون من علاقاته المرتبطة بالبيع والشراء والتبرعات الإجتماعية على اختلاف أنواعها، وعمليات التوسُّط التي يجريها لصالحهم مع الأجهزة الرسمية.

3-   المرشح من الشيوخ في قبيلته، التي هي بالضرورة قبيلة متماسكة وموحدة وقادرة على الحشد وبخاصة إذا رافق ذلك صرف أموال في الدعاية الإنتخابية.

لقد قامت الحكومة بخطوة ذكية لإقتياد المنتخبين إلى صناديق الإقتراع، فأصدرت قراراً بمنح موظفي الدولة إجازة مشروطه ليوم كامل في يوم الإنتخابات، وهذا الشرط يقتضي بالضرورة  أن يتوجه الموظف إلى موقع لجنة الإنتخاب ويدلي بصوته وبالتالي سيحصل ” أتوماتيكيا ” من قبل اللجنة على شهادة إثبات رسمية تدل على حضوره، وهذا الإثبات يجب أن يقدمه لجهة عمله لإحتسابها إجازة مستحقة له خارج رصيد إجازته الإعتيادية، وإذا تغيب ولم يأتي بتلك الشهادة فسيخصم ذاك اليوم من رصيد إجازته.

هنا نرى بأن الحكومة إرتأت عدم المغامرة بسمعتها، في أن تُفاجأ بأعداد قليلة من المواطنين أمام اللجان، فبادرت بتلك الخطوة، ليبقى للإعلام مايُمكنه أن يوظفه في إطار الدعاية المنهجية لكيل المديح المتواصل عبر الإذاعة والصحف والتلفاز.

ولكن من يتعرف على الحقيقة السابقة لن يواجه صعوبة في أن يرى الحكومة وهي تقتاد المواطن الموظف بحبل، سواء على يده أو رقبته، إلى صناديق الإقتراع ، مهما حاولت إخفاء شكل وماهية ذلك الحبل وعملية الإقتياد.

الهوامش:

[1] مقطف من كتاب “الدولة والمجتمع في عمان منذ النباهنة حتى العصر الحديث (1154-2012) : من الصراع على السلطة إلى التنمية وأزماتها” للكاتب.

[2]خبر ورد تحت عنوان: “الشورى لن يستجوب وزير النفط والغاز”، عمان، 13/10/ 2012.

[3]المصدر نفسه.

[4]حوار نشر مع مصطفى اللواتيا – عضو ممثل لولاية مطرح، على موقع منتدى الحارة العمانية 2،  بتاريخ 16/12/2012.

[5]قرار وزارة الداخلية رقم ود/13/622/2011 ، على موقع وزارة الشؤون القانونية:

http://www.mola.gov.om/Qrarat.htm

منصور المحرزي

منصور المحرزي
باحث في الشؤون السياسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية