لندن - المملكة المتحدة 16/12/2018

الإصلاح الحقوقي

خ خ خ

الإصلاح كلمة جذابة للعامة، ومزعجة لأي سلطة -سياسية أو دينية أو اجتماعية-، لا سيّما تلك التي تتصف بالطابع الاستبدادي. لذلك، دائما ما تكمن أهمية الإصلاح في تجديد شكل الأنظمة السياسية أو الدساتير أو القوانين، سواء بما يتناسب مع الأوضاع الاجتماعية أو حسب مخرجات الجهود العلمية في كل مجال القائمة التي تهدف إلى علاج مشكلة ما.

لكن الإصلاحَيْن، الحقوقي والسياسي، أكثر مصطلحين برزا في الآونة الأخير، خاصة إذا ما حددنا فترة ما بعد الربيع العربي أو الحراكات الاحتجاجية –تحديد فترة زمنية معينة لا يعني مطلقا تجاهل ما قبلها- التي بدأت منذ نهاية 2010، وصاحبها سقوط عدد من الأنظمة العربية، وتغير جذري في مكونات العمل السياسي في بعض الدول، أو عدم استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي في دول أخرى. ولذلك الحديث عنهما قد يكون أحد الأمور المهمة التي بالتأكيد ستسهم في توضيح ملامحهما ومدى خطوط التباين بينهما، وأهمية كل منهما.

 

ما الإصلاح؟

بعيدا عن كلاسيكيات التعريف المتبعة عادة عبر الاستناد على التعريف اللغوي؛ غالبا ما يكون الإصلاح في الجانب الذي نتحدث عنه، يتبع أي وضع قديم أو قوانين ما عادت مجدية، بالتالي إلى حاجة لإيجاد بديل لها أو تغييرها  قد يكون حلا مجديا لمعضلة ما، أو كذلك استحداث قوانين أو أفكار جديدة، في حالة تطور المجتمع ووجود مخرجات جديدة نتيجة للعديد من المتغيرات مثل التطور التكنولوجي، والذي شهدنا أحد جوانبه السلبية/الإيجابية إلى وجود قوانين خاصة به، تنظم آلية العمل به، وتفرض قوانين وعقوبات على المنتهكين أو المتجاوزين لهذه الآليات.

ولكن، عادة ما يتم اختصار التغيير في البلدان ذات الطابع الاستبدادي، بتغيير مسميات أو استحداث مناصب وهياكل تنفيذية/صُورية، بعيدا عن الجوهر الحقيقي لمعنى التغيير المقصود من كل جانب، فمثلا لو أخذنا الحراك الاحتجاجي في عمان عام 2011، تعمّد السلطان الحالي قابوس بن سعيد (1970 – ….) إلى القيام بتغيير بعض الوزارء واستحداث قانون لمجلس الشورى بقصد الذهاب به خطوة بعيدة من أجل تحويله لسلطة تشريعية حقيقية، وغيرها من التغييرات والتحديثات مثل لجنة الشباب أو توفير 50 ألف وظيفة… وما إلى ذلك، كل هذه التغييرات كان الهدف الأساس منها التأثير اللحظي الذي إن لم يساهم في إيقاف موجة الاحتجاجات؛ فإنه سيسحب البساط عن مسببابتها لدى الأغلبية المتظاهرة، وسحب التأييد عن المطالبين بتغييرات دستورية وحقوقية.

لكن الإصلاح الحقوقي، تمّ تجاهله بصورة متعمدة، ففي خضم الفوضى التي خلقها النظام لإبعاد الشعب عن المغزى الحقيقي للحراك الاحتجاجي، والدفع بهم بعيدا عن  أي ضمان للحق في التعبير عن الرأي بالفعل أو الكتابة أو القول مستقبلا، واستخدام فزاعة الأمن والأمان وفتنة شق الصف للدفع بالمجتمع إلى تجريم مظاهر التظاهر والاحتجاج، أصبحت فكرة الحقوق نفسها مبهمة، وتمّ “خلطها” بالكثير من المصطلحات الأخرى، مثل حق الحصول على الوظيفة، الراتب..إلخ، وغيرها من المفاهيم التي عادة ما تسحب عمق المعنى من أي مفهوم. مع التأكيد على نقطة مهمة جدا، أن حقوق الوظيفة والمعيشة الحسنة هي أيضا من الحقوق الأصيلة التي يتضمنها مفهوم “الحقوق” بصورة عامة، ولكن بالتأكيد، الطريقة التي تعمل أي سلطة مستبدة لتعميم فكرة الوظيفة والمعيشة الحسنة، هي مدى قدرة النظام على تأمين حظوظه كمانح أساسي وشرعي، لضمان تبعية الناس له.

 

هل الحقوق تتضمن جوانب أخرى غير حرية الرأي والتعبير والمعتقد؟

حسب الاتفاقيات والعهود الدولية التي تبنتها الأمم المتحدة، فإن الحقوق تشمل حتى الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وأنها لا تبتعد كثيرا في المفهوم عن الحقوق المدنية والسياسية. وإذا ما اكتفينا بالتوضيح أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتضمن حق العمل والصحة والمعيشة والتعليم والثقافة، فإن المدنية والسياسية كذلك تتضمن هذه البنود. لذلك، فإن الحقوق بصورة عامة تتضمن كافة ما يتعلق بالشؤون العامة نوعا ما، وليس فقط حرية الرأي والتعبير كما تريد للحكومات الاستبدادية التمرير له وتكريسه لدى شعوبها.

ومن هذا المنطلق، نجد أن أي عملية إصلاح اقتصادي متمثلة في التوظيف أو الرواتب، أو حتى فرض/منع الضرائب، وغيرها من الأمور التي يمكن تضمينها هنا، تتطلب مبدئيا وضع مفاهيم ومبادئ تعريفية وسن قوانين للضمان والحماية. أي أن الفرد، أي فرد في المجتمع له حق العمل والضمان الاجتماعي والمعيشة الحسنة…إلخ، ما يعني أنها حقوق أساسية لأي فرد ولا حاجة له أساسا للقلق بشأنها، وهذا ما لا تريد السلطات الاستبدادية أن يحدث، فالتحكم في أمور مماثلة يضمن لها تبعية الأفراد، واستخدام هذه الأمور في الترغيب والترهيب إن لزم الأمر ذلك. وإن الإصلاح الاقتصادي مثلا لا يمكن أبدا حصره بمفهومي الراتب والوظيفة، بل يتعدى ذلك إلى حقوق أخرى مثل الضمان الوظيفي وتكوين النقابات والتأهيل المهني والعلمي..إلخ.

 

ماذا يقدم لنا الإصلاح الحقوقي؟

الإصلاح الحقوقي إن حدث كدستور أو قانون لحقوق الإنسان، وفي الأطر والبنود والمواصفات الدولية المعترف/المتفق عليها، فهذا يعني أن الفرد سيتمتع بالعديد من المميزات، وهي ما يوفر الضمان والحماية لحريات التعبير والرأي والمعتقد والنشر، وتكوين الجمعيات والأحزاب والنقابات، والحق في التعليم والصحة -مع التأكيد على جودة هذين الجانبين- والحق في الأسرة والحياة أو المشاركة الثقافية. ومن حيث الإنصاف، فلا بد لنا أن ننؤكد على وجود بعض هذه الجوانب مثل التعليم والصحة وحتى المشاركة الثقافية، ولكن كذلك من حيث الإنصاف، البحث خلف هذه الحقوق من حيث جودتها ومقدار عدالة ومساواة توزيعها على كافة الأفراد. لكن غياب حقوق مثل التعبير والرأي والنشر، أو تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات، مع الإشارة إلى يد السلطة لواسعة في الأنشطة الثقافية من حيث إدارتها والتحكم فيها بصورة شبه كاملة، ينزع مصداقية توفير السلطة لأي حقوق أخرى.

كذلك، عدم توقيع بعض الحكومات والدول -من ضمنها عمان- على الاتفاقيات والعهود الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق العمال واتفاقية الحماية من الاختفاء القسري وغيرها من الاتفاقيات، يوضح بما لا يدع مجالا للشك، نيّة هذه الحكومات والدول -من ضمنها عمان كذلك- في الرغبة في إطلاق اليد الأمنية بصورة مطلقة، دون حسيب أو رقيب، أو دون تحمل أدنى مسؤولية حول تداعيات ذلك لاحقا!

لذلك، لربما الإصلاح السياسي، الذي عادة ما يتمثل في استحداث المناصب السياسية أو عمل السلطة التنفيذية أو التعديل التشريعي أو توسيع/تقليص السلطة القضائية، لربما يكون ذا فائدة إن حدث، ولكن هذه الفائدة عادة ما تتمثل في الأداء الإداري للسلطة، ولكن حتى هذا الأداء لربما يكون أحد اختصاصاته توسيع صلاحيات السلطة الأمنية في الاعتقال وتفسير القوانين…بل وكذلك صياغة هذه القوانين! لكن، الإصلاح الحقوقي من الأفضل أن يسبق السياسي، وذلك لضمان وجود كافة البنود والشروط التي تكفل وتضمن حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية بكافة أشكالها وبمختلف أنواعها.

 

الخلاصة:

الإصلاح الحقوقي أساس مهم لأي عملية تغيير جدية المراد منها التقدم والرقيّ بالمجتمع والفرد، فهي عملية قائمة على أسس ومبادئ توفر وتضمن حقوق كافة الأفراد والجماعات مهما اختلفوا في الدين والعرق والطائفة. وكذلك، إن الإصلاح الحقوقي يتميز عن السياسي في أنه لا يتبع حزبا معينا ولا فريقا سياسيا أو طائفة معينة، بل هو ثابت وإن تغيّر، فهو للأفضل.

نبهان الحنشي

نبهان الحنشي
كاتب وناشط حقوقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية