لندن - المملكة المتحدة 16/12/2018

قانون الطوارئ في جمهوريات الخوف.. بين مطرقة أمن الدولة وسندان حقوق الإنسان

خ خ خ

تتعرض العديد من دول العالم لظروف استثنائية من شأنها تهديد حياة المواطنين وأمن البلاد للخطر، كوقوع هجمات إرهابية أو نشوب احتجاجات عارمة وأعمال شغب أو حدوث كوارث طبيعية، عندها تلجأ السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ، وهي عبارة عن مجموعة من التدابير والإجراءات التي بصددها يمكن استعادة الأمن والحفاظ على النظام العام، وهو حق مشروع لأي دولة، طالما كان ذلك في إطار القانون، ولكن إساءة استخدام هذه الحزم يمكن أن يضر كثيرًا بالحقوق الأساسية للمواطنين لما فيها من انتهاكات جسيمة.

وتمنح التدابير الناتجة عن حالات الطوارئ صلاحيات واسعة النطاق للسلطات التنفيذية في الدولة لا سيما أجهزة الشرطة والأمن، حيث تتطلب مثل هذه الحالات تقييد بعض الحريات الفردية للمواطنين خلال فترة الطوارئ من أجل تسهيل إجراءات أكثر فعالية لتحقيق السيطرة داخل البلاد.

ويتيح القانون الدولي فرض قيود على الحقوق والحريات الأساسية أثناء الأزمات الشديدة التي تتعرض لها دولة معينة، ومع ذلك، يجب أن تكون القيود مؤقتة، ومحدودة للغاية في نطاقها، وشدد القانون الدولي على أن بعض هذه الحقوق غير قابلة للانتقاص، كالحق في الحياة أو عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، والشرعية والمساواة أمام القانون؛ وحرية الفكر والضمير والدين، إلا أنه في ضوء حالات الطوارئ اُنتهكت هذه المبادئ بصورة كبيرة.

كتب: علي السكي

 

 

الحريات في خطر

غالبًا ما يرتبط إعلان حالة الطوارئ بمخاوف وهواجس بشأن الحريات والديمقراطية، واتخاذ الوضعية الاستثنائية السائدة ذريعة للتضييق على جهة أو شخص بسبب قناعاته السياسية أو العقدية أو لانتمائه الإثني أو نحو ذلك، وذلك نتيجة للصلاحيات الاستثنائية الممنوحة لأجهزة الأمن في الدولة، وما يتبعه من تجاوزات محتملة، وهو ما دعا بعض الحقوقيين للمطالبة بأن يخضع تطبيق حالة الطوارئ لرقابة وضوابط معينة، وربما تعود هذه الهواجس إلى أن حالة الطوارئ تضع التوازن بين الحريات والأمن على المحك.

ولجأت دول مثل مصر وإثيوبيا وفرنسا ومالي وتونس وتركيا خلال العامين الماضيين إلى فرض أو تمديد حالة الطوارئ تحت ذريعة مواجهة الإرهاب، حيث تزيد بعض هذه التدابير الطارئة سلطات الحكومة بشكل كبير في البحث والاعتقال ومراقبة الأفراد وإغلاق المؤسسات مثل أماكن الاجتماعات ودور العبادة وحظر التجمعات العامة وحرية التعبير.

وتؤدي حالات الطوارئ إلى وضع الحكومات الديمقراطية في وضع صعب من خلال التسبب في نزاع واضح بين هدفها الرئيسي المتمثل في حماية أمن الدولة والتزامها اللاحق بضمان حقوق الإنسان لمواطنيها، وهكذا تواجه الحكومة معضلة التضحية بإحدى التزاماتها لمصلحة الطرف الآخر، وهذا هو المفهوم الكامن وراء تنفيذ أحكام الطوارئ، حيث تيسر العديد من الدول القومية السماح بالاحترام المؤقت لبعض القوانين في تعزيز حقوق الإنسان.

وفي هذه الأنظمة الديمقراطية، تطبق حالات الطوارئ لفترات محددة، ويتوقف تمديدها على موافقة البرلمان، ففي فرنسا- على سبيل المثال- تفرض حالة الطوارئ لمدة 12 يومًا فقط من تاريخ إعلانها من قبل رئيس الجمهورية، وتمدد بعد ذلك بموافقة من البرلمان.

إلا أن الأمر مختلف في الأنظمة الديكتاتورية، حيث تجد تلك الدول في حالات الطوارئ فرصة لتشديد القبضة الأمنية وتمرير بعض القوانين الجائرة وتصفية بعض الحسابات مع المعارضين، وتنتهز السلطات حالات الطوارئ والصلاحيات الممنوحة لها في ممارسة بعض الانتهاكات التي تتعلق بالحقوق الأساسية للمواطنين.

وتعددت أشكال الانتهاكات الناتجة عن فرض حالة الطوارئ، ومنها على سبيل المثال الاعتقال الإداري، ومنع تجمعات وغلق مرافق عمومية ووضع أشخاص رهن الاقامة الجبرية إذا رأت الأجهزة الأمنية أن حريته ربما تخل بالأمن العام وكذلك مداهمة المنازل وانتهاك الحق في الخصوصية عن طريق مراقبة الرسائل، والمس ببعض الحريات كحرية الرأي والتعبير والتنقل والتظاهر ورقابة الصحف والمطبوعات وتعطيلها.

 

تأثير الطوارئ على حقوق الإنسان

يوصي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، بموجب المادة 4، أن جميع التشريعات الرامية إلى تعزيز حقوق الإنسان التي أقرتها الحكومة ينبغي أن تؤجل على النحو الأمثل خلال فترة الطوارئ العامة لضمان قياد الدولة بدورها في الحفاظ على أمن الوطن، وهناك أيضًا حكم مماثل ورد في المادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 1969 التي تنص على تعليق حقوق الإنسان التي تكفلها الاتفاقية في وقت الحرب أو الخطر العام أو أي حالة طوارئ أخرى تهدد استقلال الدولة أو أمنها، ولكن بصرف النظر عن الحالة التي تمر بها دولة ما، لا تزال هناك بعض حقوق الإنسان، وهي حقوق أساسية وحتمية في طبيعتها لا يمكن تعليقها كذريعة للتعامل مع أي أزمة تمر بها الدولة، ولا حتى في حالة وقوع أشد حالات الطوارئ، بيد أن تعليقها يعتبر سخرية لمفهوم سيادة القانون، وسيدمر مفهوم الدولة الإنسانية.

وبمقتضى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن من واجب الدولة التي هي طرف في الاتفاقية أن تجعل قانون أراضيها متوافقًا مع أحكام العهد.

وفي الوقت الراهن، هناك أحد عشر حقًا من الحقوق التي تقرر عدم قابليتها للتقييد، في نطاق المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أبرزها:

الحق في الحياة، حظر التعذيب، حظر الرق أو العبودية، حرية الوجدان والدين، حقوق الأسرة والطفل، الحق في الجنسية، حظر القوانين الجنائية بأثر رجعي، الحق في الاعتراف بالشخصية الاعتبارية، حظر السجن بسبب الإخلال بالالتزام التعاقدي، الحق في المشاركة في الحكومة.

 

الطوارئ في العالم العربي

وبالنظر إلى حالات الطوارئ في العالم العربي، نجد أن تطبيق هذه الإجراءات أصبح ظاهرة أكثر من كونه تدابير استثنائية، لدرجة أن لجوء بعض الأنظمة العربية لحالة الطوارئ أضحى سمة لهذه البلدان التي ربما أمضت سنوات عديدة تحت رحمة الطوارئ، وهو ما أدى إلى رصد انتهاكات جسيمة بحقوق الإنسان مارسته السلطات التنفيذية في الوطن العربي.

وتوصلت دراسة بعنوان “حالة الطوارئ في الوطن العربي وتقييد حرية الإنسان” إلى مجموعة من الملاحظات نعرضها فيما يلي:

– نصت أغلب دساتير الدول العربية صراحة على جواز إعلان حالة الطوارئ.

– وضعت جميع هذه الدساتير قيودًا على حالة الطوارئ ولم تتركها مطلقة في أيدي السلطة التنفيذية حرصًا على حقوق الإنسان والحريات.

-تفرض أغلب الدساتير وقوانين الطوارئ العربية على رئيس الدولة أن يعارض الإعلان الخاص بحالة الطوارئ وكذلك الأوامر الاستثنائية الصادرة بموجبه على البرلمان.

-تحدد بعض الدساتير وقوانين الطوارئ العربية حالة الطوارئ بمادة معينة ولا يجوز لرئيس الدولة تجديدها أو زيادتها إلا بعد موافقة السلطة التشريعية.

 

الحرب على الإرهاب

بدورها قالت منظمة “هيومان رايتس ووتش” المعنية بحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي لعام 2017، إنه يمكن للقوانين الموجهة وبرامج الوقاية أن تكون أدوات هامة لمواجهة التحديات الملحّة والعابرة للدول التي تشكلها الجماعات المتطرفة المسلحة، لكن الموجة الأخيرة من التدابير الشاملة لمكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم تشير إلى أن العديد من الحكومات لم تتعلم الدرس من “الحرب العالمية على الإرهاب” المدمرة التي شنتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، بينما تشير دول عديدة الآن إلى حقوق الإنسان في مبادراتها لمكافحة الإرهاب، تعتمد قوانينها وسياساتها على الإفراط البالغ، والاستغناء إلى حد بعيد عن المراجعة القضائية والمراقبة اللازمة لمنع سوء المعاملة.

ودعت هيومان رايتس الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى الضغط على مجلس الأمن للحدّ من الأفعال التي تعتبر “إرهابًا” في قرارات مثل القرار 2178، كخطوة رئيسية نحو عكس هذا الاتجاه، والتأكد من أنها تتفق تمامًا مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، والقانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب)، وينبغي على سبيل المثال أن تستبعد هذه التعاريف الأعمال التي تفتقر إلى عناصر القصد الجنائي لإحداث الوفاة، أو الإصابات البدنية الخطيرة، أو أخذ الرهائن لخلق حالة من الذعر لإثارة استجابة الحكومة أو طرف ثالث، وعلى الهيئات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي القيام بالأمر نفسه.

الغرض الطبيعي من إعلان حالة طوارئ في دولة ما هو تيسير الحفاظ على القيم الحيوية للمجتمع مع الدولة القومية التي تتعرض لتهديد مؤقت بحكم حالة غير متوقعة ذات طابع خطير، حيث لم يتم الإعلان عن حالة طوارئ بغرض الاستهزاء بأساس الديمقراطية لأنه يلغي سيادة القانون، وبغض النظر عن مدى خطورة حالة الطوارئ في دولة ما يجب أن نتذكر دائمًا أن الصلة بين الشرعية والمؤسسات الديمقراطية هي علاقة قوية جدًا عندما تقطع، ستدمر كل مظاهر الحياة اللائقة والمتحضرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية