لندن - المملكة المتحدة 26/03/2019

رؤية عُمان …والسيناريو المسكوت عنه

خ خ خ

عمان التي نريد… نعم نعرف ما نريد جيداً ولكن يبقى آليات الوصول لتحقيق ما نريد، فهل وثيقة رؤية عمان النهائية 2040 ستتمتع بالجاهزية الكاملة لتحقيق ذلك وهي التي سوف تعرض على مجلس الوزراء في الربع الأول من 2019؟

في تاريخ 7مايو 2018 عدتُ من الجلسة العامة لرؤية عمان 2040 محملةً بالرؤى الانسحابية والأحلام المهزومة، وقد كتبت حينها منشورا على الفيس بوك: “أيقنت اليوم بعد الجلسة العامة لرؤية عمان 2040 أن الرؤى والأحلام لا تفسر إلا بتفسير الأحلام لابن سيرين”، وقد سألني أحد الأصدقاء: هل يعني ذلك أن نغسل أيدينا؟ قلت لهُ سأكتب فيما بعد إجابة على سؤالك لماذا علينا غسل أيدينا؟

لقد تضمنت الجلسة العام لرؤية عمان2040 مجموعة من التساؤلات الجماهيرية التي كانت تحاول أن تفتح ملف رؤية 2020 قبل الولوج إلى رؤية جديدة بعمر 20 سنة قادمة، وفي المقابل كانت الجلسة تحاول تجاهل الرؤية والدعوة للتركيز على الرؤية المستقبلية الضبابية لعام 2040، حتى أنه تملص بعض المستضيفين في الجلسة العامة من الإجابة عن التساؤلات، قائلين: لم نكن من ضمن القائمين على رؤية 2020، ولكن الذي لابد أن نشير إليه اليوم هو أن رؤية عمان 2020 هي أول رؤية على مستوى دول مجلس التعاون.

حقيقة لا أعلم إن كانت تلك الاجابة الهاربة مبهرة للحضور، إلا أنه لم يصفق أحد على هذه المعلومة المغرية. هل كان يكفي أن تكون رؤية عمان 2020 أول رؤية تم صياغتها في دول مجلس التعاون؟! ثم ماذا حدث للرؤية بعد ذلك؟ ماذا أنجز منها وما الذي تحقق من أهدافها؟ ومن القائمين عليها؟ كان يتوقع الحضور في الجلسة العامة أن يتم مناقشة ما تم تحقيقه في رؤية عمان 2020 والوقوف على التحديات التي حالت دون تحقيق بعض الأهداف ولكن بدا لي أن رؤية عمان 2040 تبدأ من قاعدة صفرية، دون الاعتماد على رؤية سابقة، وحتى الزائر للموقع الإلكتروني عمان2040[1] لا يجد أي إشارة حول رؤية عمان 2020.

لقد كانت رؤية عمان 2020 هي السيناريو المسكوت عنه في الجلسة العامة، والتي قد تكون قائمة على احتمالات تشاؤمية لما سيأتي بعدها من رؤى مستقبلية، يمكن أن تكون كالآتي:

  • أن تكون الرؤى المستقبلية امتداداً لرؤية عمان 2020 في حالة عدم الوقوف على التحديات التي واجهت الرؤية الأولى من نوعها في الخليج العربي، ومحاولة معالجتها، وهو النوع الذي طرحه سلوتر (Slaughter1996,pp.202) باسم سيناريو استمرار الوضع القائم أو السيناريو المرجعي[2].
  • أن تجاهل النقطة العمياء (Blind Spot)، وهي المؤشرات الحاضرة من ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع عدد الباحثين عن العمل، وانخفاض مستوى دخل الفرد في إعداد الرؤى المستقبلية لعُمان، قد يؤدي إلى احتمالية تحقق سيناريو الانهيار وهو يمثل عجز النسق عن الاستمرار أو فقدانه لقدرته على النمو الذاتي، أو بلوغ تناقضات النظام حدًا يؤدي إلى انفجاره من داخله.[3]

لقد نُشِرت بعض الأوراق البحثية التي حاولت تسليط الضوء على رؤية عمان 2020 وقراءتها بأسلوب ممنهج وعلمي كان من بينهم في حدود اطلاعي: الورقة البحثية للباحثين (الصقري، الكندي،2017: 168) التي جاءت بعنوان: “رؤية عمان بين الواقع والمأمول” وأفصحت أن رؤية عمان 2020 لم تستطيع تحقيق الأهداف المرجوة، المتمثلة في الآتي:

  1. الإخفاق في تحقيق الهدف الأول، وهو تنويع قاعدة الإنتاج وتقليل الاعتماد على النفط.
  2. الابتعاد عن تحقيق الهدف الثاني وهو التوازن بين مصروفات ودخل المال العام، حيث ارتفعت المصروفات الحكومية بنسبة كبيرة مما فاقم حجم العجز العام.
  3. التراجع في تحقيق الهدف الثالث المرتبط بتنمية الموارد البشرية، وتشير البيانات المنشورة إلى انخفاض متوسط دخل الفرد الحقيقي.
  4. عدم تحقق الهدف الرابع وهو تطوير ودعم القطاع الخاص ليشارك في عملية التنمية والنمو الاقتصادي.[4]

وبالعودة إلى ما أشار إليه أحد المتحدثين في الجلسة العامة دون ذكر أي نتائج وتفاصيل إلى بعض الدراسات التي أجريت حول رؤية 2020 والتي لم أستطع التوصل إليها، والمتمثلة في: الدراسة التحليلية المعمقة عن رؤية 2020 قام بها فريق من جامعة السلطان قابوس، ودراسة مجلس البحث العلمي حول رؤية 2020، ودراسة أخرى قام بها مجلس الأعلى للتخطيط.

إن المنهج التشاركي المتبع في رؤية عمان 2040 دون معرفتنا كأفراد حول الحالة التقييمية لرؤية 2020 يضعنا أمام ضبابية في فهم ما حدث وما سيحدث مستقبلاً، كما أشار إليه (الشنفري، 2013) في مؤتمر التنمية المستدامة بين التخطيط والواقع: “أن التخطيط للمستقبل يتطلب وضوح الرؤية، وبعد مرور أكثر من (18) عاماً على اعتماد الرؤية المستقبلية عمان 2020، فإنه من الأهمية استحداث رؤية جديدة للسلطنة تأخذ بعين الاعتبار مستجدات المرحلة الحالية، وما توفره من فرص وتبرزه من تحديات على المدى القصير والمتوسط والطويل”.[5]

لقد أثار الحضور في الجلسة العامة لرؤية 2040 مجموعة من التساؤلات كمحاولة لاستيضاح آليات تنفيذ ومتابعة الرؤى المستقبلية العُمانية، وكانت من بينها من سينفذ رؤية 2040؟ ومن سيراقب تنفيذ الرؤية وهل ستكون هناك محاسبة للقائمين على رؤية عمان 2020، ورؤية عمان 2040 في حالة عدم تحقيقها الأهداف المرجوة؟

وقد كان الرد أن تنفيذ الرؤية تحال إلى منفّذي الخطط الخمسية في سلطنة عُمان، ولكن الإجابة تبقى غامضة أيضاً، فمن هم هؤلاء المنفّذون؟ أما بالنسبة لمحاسبة القائمين على الرؤيتين 2020، 2040 فكان الرد: إلى الآن لم يحسم الموضوع. وأعتقد أن وجود مراقبة ومحاسبة لتنفيذ الرؤى العمانية المستقبلية يرفع من حس المسؤولية أمام المنفذين، ويدفعهم لبذل المزيد من الجهود لتحقيق الرؤى والتطلعات المستقبلية على أرض الواقع.

كما علّق أحد الحضور إلى غياب فئة الشباب من ضمن المستضيفين والمتحدثين في الجلسة العامة لرؤية عمان 2040، إن وجود هذه الفئة في صياغة الرؤية المستقبلية لعمان 2040 هي أحد ضمانات نجاح الرؤية المصاغة، حيث لن يقود دفة التنمية سوى فئة الشباب الذي نعوّل عليهم في المستقبل.

وإننا مع مشاركة أصحاب الخبرة في صياغة الرؤية المستقبلية لعُمان، ولكن انتقال هذه الخبرة إلى شريحة من الشباب العُماني الذين أثبتوا جدارتهم في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية لهو أمر لابد من وضعه في الحسبان، وقد نورد هنا فرضية مستقبلية أن معظم من صاغ رؤية عُمان 2040 لن يقفوا على الصورة المرسومة لعمان مستقبلاً والتي تحتاج إلى عشرين عاماً؛ وقد يعود ذلك إلى  ارتفاع أعمار أصحاب الخبرة أو تقاعدهم، وبالتالي لن تكون هناك القدرة على متابعة ومراقبة و محاسبة أيٍّ منهم.

وقد كتبتُ في قصاصةٍ ورقيةٍ صغيرة سؤالاً للمستضيفين في الجلسة العامة لرؤية عمان 2040، وقد كان السؤال: ألم يحن الوقت لسلطنة عمان أن تنشأ مراكز للدراسات المستقبلية والاستراتيجية أو مراكز بحثية للاستشراف المستقبلي، والانتقال من مرحلة تجسيد الصور الذهنية في صياغة رؤى عُمان إلى مرحلة قائمة على أسس علمية؟

فكان رد أحدهما على عجلٍ: هناك خطة لفتح وحدة للاستشراف المستقبلي، ثم انتقل سريعاً وموجزاً للإجابة على تساؤلات الحضور المتبقية؛ لضيق الوقت.

وتعقيباً على الرد الموجز فقد سبقتنا الدول الخليجية في تأسيس مراكز بحثية في الاستشراف المستقبلي الحديث ويمكن ذكر بعضها: مركز الدراسات الاستراتيجية المستقبلية في جامعة الكويت، ومركز الامارات للدراسات الاستراتيجية والبحوث في أبوظبي، ومركز البحرين للدراسات والبحوث، ومركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في الكويت[6].

كما أن الباحث (الجشمعي، 2017: 52-58) ميّزَ بين مفهومَي الرؤية المستقبلية والتي تستخدم المنهج الاستهدافي للوصول إلى ما ترنو إليه، واستشراف المستقبل المبني على فهم القوانين الضمنية والعوامل والإجراءات والهيكليات الواضحة في الظاهرة، بحيث يتوقع الأشخاص المستقبل ويقوم بإجراء الإعدادات اللازمة للاستفادة من التطورات ممكنة الوقوع، ويوصي باتخاذ الإجراءات التي تجعل المستقبل أفضل[7].

لذلك فإنّ الانتقال من مرحلة صياغة الرؤى المستقبلية إلى تأسيس مراكز بحثية لاستشراف المستقبل قد يضمن قدرتنا على مواجهة المستقبل بشكلٍ أفضل، ورسم ملامح عمان الجديدة كما نريد.

 

الهوامش:

[1]https://2040.om/

[2]النيادي، شافع(2010). تقرير عن: السيناريوهات. موسوعة التدريب و التعليم. رابط الاسترجاع: http://www.edutrapedia.illaf.net/arabic/show_article.thtml?id=594&print=true

[3]النيادي، شافع(2010). المرجع السابق(2).

[4]الصقري، سعيد. الكندي، آن (2017). رؤية عمان 2020 بين الواقع والمأمول –ورقة بحثية-. مركز الخليج لسياسات التنمية

[5]الشنفري، حاتم بخيت(2013). خطط التنمية بين المستهدف والمنجز. مؤتمر التنمية المستدامة بين التخطيط والواقع. الجمعية الاقتصادية العمانية.

[6]الجشمعي، نواف وبدان(2017). دراسات استشراف المستقبل ودورها في دعم اتخاذ القرار بدولة الامارات العربية المتحدة- بالتركيز على أداة التخطيط بالسيناريو-. شعبة دراسات الجريمة. مركز بحوث الشرطة – الشارقة.

[7]الجشمعي(2017). المرجع السابق(6).

وضحاء شامس

وضحاء شامس
باحثة اجتماعية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية